كريم نجيب الأغر
571
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
الكبرى ، ودعا المفكرين الباحثين إلى مزيد دراسة لها ، واعتبار بها ، لتكون إحدى الطرق الدالة على الإيمان باللّه عزّ وجلّ . ولعله يحسن في هذا المقام إيراد قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) [ الأنبياء : 30 ] ، فكما لا يخفى فإن الآية الكريمة تدعو الكفار إلى الإيمان وذلك عبر الإخبار عن واقعة كونية - نشأة الكون - تدل على عظيم قدرة اللّه لم يكونوا يعرفونها في عهد التنزيل ، فيتحققون من صدق الرسالة عبر مطابقة ما ستئول إليه علومهم بما أشارت إليه الآية القرآنية . وكذلك قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [ الحج : 5 ] ، فإنا نرى أن الآية تدعونا إلى الإيمان بيوم البعث ، وذلك عبر تبيان مراحل تخلّق الجنين تفصيلا ، والاعتبار بأن القادر على خلق الإنسان بهذه المراحل ، هو قادر على أن يعيد خلقه مرة أخرى ، والأمثلة في هذا الباب عديدة . . . فالواقع أن الإعجاز العلمي هو إحدى طرق الهداية التي اعتمدها القرآن الكريم ، وليس بابا للتكلّف . ومن الجدير بالذكر أن الفريق الذي يعارض تفسير الآيات القرآنية على ضوء الإعجاز العلمي مخافة أن يحصل تغيير في المسائل العلمية في زمان لاحق ، وبالتالي تبدّل في فهم الآيات القرآنية ، لم يفرّق بين النظريات والحقائق العلمية . وقد توصّل العلم في كثير من جوانبه إلى إلقاء الضوء على مسائل علمية لا تنكر ولن تتبدّل إلا بإذن اللّه تعالى ، وتعتبر حقائق علمية . وهناك من الآيات ما هو قطعي الدلالة ، وبالتالي فمن الصواب أن نفرّق بين النظريات العلمية والحقائق العلمية في مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، ومن الإنصاف أن نجيز تفسير الآيات وفق المعطيات العلمية الصحيحة . وليس لنا أن نتحدث عن إعجاز القرآن الكريم من غير ضوابط ، لذا اعتمدت في هذا البحث على النصوص القرآنية قطعية الثبوت والحديثية المتواترة والمقبولة ( أو الضعيفة المنضبطة ) ، مع الاعتماد على النصوص التي لا تنزل عن غلبة الظن دلالة . والبحث العلمي ممتد وفيه نظريات وحقائق ، فما أدرانا أنّ ما نتحدث عنه - في مجال البحوث التجريبية - هو نظرية علمية أو حقيقة علمية ؟ ، فقد أخطأ كثير من العلماء المسلمين في تفسير بعض إعجازات القرآن الكريم ، وعلى سبيل المثال : فقد سارع بعض العلماء بالجزم بأن الحيض يحتوي على مواد سامة لأن اللّه قال في